علي الهجويري
288
كشف المحجوب
وينتج عن ذلك أنكم تفترضون أيضا أن الأشياء التي لا نقوم بأدائها فعل وبما أن هناك في كلتا الحالتين عمل معرض للخطأ فكيف نعتبر ما نتركه دون عمل أفضل مما نعمله ؟ . ومن الواضح أن هذا الرأي ليس إلا محض افتراء ، ولا يعتبر قياسا صادقا نقيس به المؤمن والكافر . إنهم يتفقون على أن أفعالنا خاطئة ولكن المومن يعتبر أن القيام بالعمل خير من تركه وهو في هذا يمتثل أمر اللّه . أما الكافر فيعتبر أن ترك العمل خير من أدائه وهو في هذا يعصى أوامر خالقه . ولهذا فإن الجمع يقتضى أنه رغم إدراك النقص الناجم عن التفرقة فلا يصح التخلي عن حكمها ، كما أن التفرقة تقتضى أنه رغم كون الشخص محجوبا عن الجمع فعليه أن يعتبر التفرقة جمعا . ويقول أبو الحسن المزين الكبير في هذا « 1 » : « الجمع الخصوصية ، والتفرقة العبودية ، موصول أحدهما بالآخر ، غير مفصول عنه » إذ يجب في حال الخصوصية القيام بواجبات العبودية . ولهذا فعلى الرغم من أن آلام المجاهدة ومتاعبها قد تزول عن كل من يقوم بواجبه في هذا المجال إلا أنه لا يجوز أن ألا يتخلى الفرد عن المجاهدة ، والالتزام بأوامر الدين ، حتى إلى حقيقة الجمع ، ما لم يكن له عذر واضح تقره الشريعة وسأشرح الموضوع باستفاضة حتى يحسن إدراكه . الجمع جمعان : جمع سالم ، وجمع تكسير . والجمع السالم وهو ما يوجده اللّه في الإنسان عندما يصبح في حالة الغلبة باللّه ويقدر اللّه له أن يطيع أوامره ويجاهد نفسه . وكان هذا مقام سهل بن عبد اللّه وأبى حفص الحداد وأبى العباس السياري صاحب هذا الطريق .
--> ( 1 ) أبو الحسن المزين الكبير عالم جليل صحب الجنيد وسهل بن عبد اللّه وتوفى سنة 327 ه .